أسرار أخطر 53 دقيقه في حرب أكتوبر
أسرار أخطر 53 دقيقه في حرب أكتوبر

إعداد: محمد شبل 

المصدر: المجموعة 73 مؤرخين

تألقت المدفعية المصرية علي مدي التاريخ ، وفي الحروب الأخيرة مع العدو الاسرائيلي ، ففي حرب أكتوبر الرمضانية الماجدة أعطت أرقي فنون القصف بالمدفعيات والصواريخ أرض - أرض .

 

وفي هذه الصفحات يتحدث الفريق محمد سعيد الماحي قائد المدفعية المصرية في حرب رمضان عن الدور الايجابي الذي قام به رجال من الشهداء العمالقة والحياء الذين يقفون خلف مدفعيتهم ، قال الرئيس السادات عن الفريق الماحي انه رجل رهيب مثل مدفعيته التي لعبت أخطر الادوار في الحرب ، ولكنه دائما الرجل الهادئ الصامت الذي يتحدث في همس ، فهو واحد من ألمع أساتذة المدفعية في جيوش العالم ، التي في كل معركة تكون الطلقة الأولي لها دائماً ، إن قذائفها هي اشارة البدء لكي تشتعل بعد فترة معينة من قصف المدفعية أرض ومواقع العدو بالنيران ، ثم تقتحم المشاة حصونه ومراكز حشد دباباته وتجمع قواته .

 

بدأت مدفعيتنا الحرب مع الموعد المعروف وهو الثانية ظهراً بثلاث وخمسين دقيقة في اخطر لحظات الهجوم ،حتى جاءت ساعة الصفر فعبرت طائرتنا مياه القناة وفوق الأرض كانت أرتال المشاة والقوات الخاصة تبدأ واحدة من أبرز العصر الحديث .

 

 

ان المدفعية المصرية ظلت تقاتل ضد السفن المغيرة عليها وضد المدرعات والطيران المعادي في وقت واحد ، حتى أمسكت النيران بكل شبر من الارض بمديـنة شـرم الشيـخ ، وأصبح من المتعذر إطفاؤها ،

 

وقد تطور أسلوب العمل في المدفعية المصرية من الاسلوب الإنجليزي الي الشرقي واستطاع رجال السلاح من المقاتلين الذين أعطوه سنيين عمرهم استيعاب التطوير الذي أدخل علي النواحي الفنية وعلي السلاح الحديث ومتابعة التقدم العلمي والتكنولوجي ، حتي ادخلت المدفعية المصرية عام 71 أجهزة الحاسب الآلي ،وواكبت تطور المعدات الفنية ، كما استوعبت التعديلات الأخرى في التسليح من الصواريخ المضادة للدبابات الي الصواريخ أرض أرض ليس علي المستوي التكتيكي فحسب بل علي المستوي الاستراتيجي ، وأثبتت ذلك في سيناء خلال الحرب بصورة متفوقة .

 

ويستطرد الفريق الماحي الحديث عن المهام الموكلة للمدفعية المصرية ومنها ضرب عمق اسرائيل اذا تطلب الأمر ، كانت حساباتنا علي المستوي الاستراتيجي ضرب عمق اسرائيل ، ففي يوم 22 أكتوبر اطلقت المدفعية المصرية أول صواريخها الموجهة الي العدو وأعطت قوة تدميرية هائلة ( يقصد الصواريخ سكود أ ) ، وقد قام الرئيس السادات بتعيين الهداف داخل عمق اسرائيل واستعدت المدفعية المصرية لضربها بالصواريخ اذا صدرت التعليمات بذلك ، ولما كانت للمدفعية المصرية اليد الطولي في المعركة والذراع الطولي القادرة علي الوصول الي عمق أي مدينة بإسرائيل فقد أقر القائد الأعلى ان تكون مدن القناة عمقاً هي الأخرى لمصر .

 

سئل الفريق الماحي عن انواع المدفعية التي اشتركت بها القوات المصرية بحرب أكتوبر 1973 وكان لها هذا التفوق نوعاً وكماً ؟

 

فأجاب لقد اشتركت مدفعيتنا و صواريخنا بمختلف الأسلحة الجديدة المتطورة ، ولذلك قامت بأخطر الأدوار في هذه الحرب وأعظم هذا التقدير من رئيس الجمهورية لرجل المدفعية من وحدات الصواريخ المضادة للدبابات التي ادخلت تعديلاً كبيراً في مفهوم ميدان المعركة فضلاً

 

عن الصواريخ التي قامت بمهام حاسمة خلال الحرب علي المستوي الاستراتيجي والتكتيكي ، وأذكركم بأن المقاتل عبد العاطي بطل معارك الدبابات في حرب 1973 ، وكان له شرف افتتاح معرض الغنائم حين دعاه القائد العام الي ذلك وهو من جنود المدفعيه وليس من المشاة كما ذكرت بعض الصحف .

 

ويتحدث الفريق الماحي عن عبور المدفعية الثقيلة الي سيناء .. وهل كان عبورها يوم 6 أكتوبر 1973 ؟

 

فأجاب : عبرت بعض أجزاء المدفعية الثقيلة المصرية الي الضفة الشرقية يوم 6 أكتوبر فعلا حتى تتمكن من التعامل مع العدو بأقصى مسافات تسمح لها بمدي نيران مؤثر ، واحتفظنا بجزء آخر في غرب القناة كعمق للمدفعية يتعامل مع أسلحة العدو في الوقت المناسب وتم تنفيذ عبور المدفعية بكامل أعيرتها طبقاً للتخطيط الموضوع إلا أن هناك بعض المواقف الطارئة التي اضطرتها الي تعديل في برنامج العبور وخاصة ذلك الموقف الطارئ الذي ج هبه الجيش الثالث في الليلة الأولي من القتال 6- 7 أكتوبر ، حيث لم يتمكن من انشاء الكوبري المخصص لأحدي فرق المشاة مما حال بين عبور وحدات المدفعية الثقيلة والدبابات الي الضفة الشرقية في التوقيتات المحددة -- وكان هذا الموقف يشكل خطورة علي قواتنا التي عبرت واحتلت رءوس الكباري محددة في سيناء ، وظلت تواجه نيران الدبابات الاسرائيلية في سيناء المكثفة في بطولة أقرب الي المعجزة ، هنا صدرت تعليمات القيادة العليا بدفع احتياطي من وحدات الصواريخ المضادة للدبابات وتعاونها مع المشاة الي سيناء حتي تمكن المهندسون من انشاء الكوبري وعبرت الدبابات والمدفعية الثقيلة الي المعركة ، وكان جنود المدفعية الصاروخية المضادة للدبابات قد حققوا الكثير من المفاجآت التي تحدث عنها العالم ووصفوها باللحم ضد الصلب .

 

ويتكلم الفريق الماحي عن قوات المدفعية المصرية التي دمرت خط بارليف الأول وعن هذه العمليات ، قال الفريق بعد عمليات حرب 67 بدأ العدو في اقامة خط حصين علي طول شرق القناة ، منتهزاً وقف اطلاق النار ، وبمرحلة كسر وقف اطلاق النار بدأت المدفعية بكافة أعيرتها في التعامل مع هذه التحصينات ودمرنا أكثرها حتي صدر وقف اطلاق النار في أغسطس 1970 ، وكانت هذه المهام ذات نتائج تدريب طيبة بالنسبة لنا ، حين عاد العدو وأخذ ينشئ خط بارليف الجديد مستعينا بما حصل عليه أيضا من خبرات المرحلة السابقة ،

 

وقد أقام هذه التحصينات بمستوي هندسي عال ، وبالتالي زاد العبء علي مدفعيتنا وقبل الحرب استطعنا مع سلاح المهندسين أن نقيم نقاطا قوية في العمق المصـري مشابه تماما لحصون بارليف حتي ندمرها ونصل بذلك الي المعدلات الصحيحة المطلوبة من قذائف المدفعية لتدمير النقاط القوية الاسرائيلية ، وكانت النقط المصرية التي اقمناها تفوق نقاط العدو من حيث القوة والمناعة والتحصين والأسلاك والألغام ، وبقي هذا العمل ورغم تكاليفه هو السبيل الوحيد السليم لتدمير خط بارليف بالقذائف ، ومن هنا استمر قصف المدفعية يوم 6 أكتوبر وقبل الساعة 2 ظهراً – 53 دقيقة متواصلة للوصول الي النتائج المطلوبة بعدها عبرت قواتنا وطائرتنا .

 

((   لقد قامت المدفعية أيضاً ببعض المهام التي لم يكن من المعتاد أن تقوم بها كفتح الثغرات في حقول الالغام والأسلاك علي مستوي حصون بارليف ، وكان قصفاً محكماً نتيجة التدريب والتجارب والمعارك التي حصلنا عليها حتي الدقائق الأخيرة قبل الساعة صفر من 6 أكتوبر ، وبذلك استطاعت قواتنا المشاة اقتحام هذه الحصون والاستيلاء عليها بعد أن أصبحت حصونا غير صالحة غير صالحة للاستعمال ، وبقيت المعركة جندي مصـري امام جندي اسرائيلي وجها لوجه   .. والنتيجة معروفة ..   ))

 

وأحب أن أضيف حقيقة عسكرية تغيب عن ذهن القارئ العادي ، وهي انه ما من قوة كبري أو صغري حين تواجه العدو في عمليات صغيرة او كبيرة الا ورافقها رجال المدفعية لإدارة نيران المدفعية ولتصحيح الضرب ، ولقد قدمت المدفعية المصرية خلال مراحل الحرب بكل مراحلها وخلال العبور ببعض الوحدات لتقاتل في سيناء ثم تعود الي الغرب أروع الأمثلة في التضحية بالروح في سبيل الحصول علي النصر ومن ضمن هذه الأمثلة للبطولة وللجرأة خلال حرب الاستنزاف ن كانت وحدة مدفعية تفتح نيرانها علي العدو ووجد قائدها أنه في حاجة الي من يصحح له الضرب فاستقل طائرة هيلوكبتر وطار بها الي الضفة الشرقية ، وقام بتصحيح ضرب مدفعيته لرجاله ، قام بذلك وهو يعلم انه لن يعود ، فالعدو لن يترك طائرة هيلوكبتر مصرية تدخل ويتركها تعود سالمة ، لقد قدم البطل حياته مقابل قصف سليم لمدفعيته يعطي النتيجة المطلوبة في النهاية ولتذهب حياته مقابل هذا الثمن ، فهو المصـري بن هذه الارض الطيبة الثرية بمعدنها ورجالها ، ولقد تكررت هذه العمال البطولية بحرب أكتوبر ، وقد رفض بعض المقاتلين ان يترك مدفعه حتي اقتحمته دبابات العدو دون أن يترك أبدا سلاحه أو يتخلى عنه مقابل نجاته .

 

أربعة ألاف مدفع .

 

سؤال أخير

 

قيل أن حجم المدفعية المصرية في حرب أكتوبر عام 1973 ، لم تصل اليه من حيث العدد والحجم اي معركة في الشرق الاوسط من قبل .....   بما فيها حرب العلمين فما صحة ذلك ؟

 

يجيب الفريق الماحي نعم كان عدد المدافع التي حشدت علي طول القناة في المواجهة مع العدو يزيد عن اربعة آلاف مدفع وقد قصفت العدو وبواقع 175 قنبلة كل ثانية في فترات القصف او الدقائق الأولي من التمهيد بالنيران ، لقد كان حشد هذه المدافع علي خط المواجهة عملا فريداً بالخداع الكامل للعدو .... هذه الالاف من المدافع وذخيرتها دخلت الي اماكنها دون أن يدرك العدو ماذا تفعل ؟

 

كانت النتيجة اننا دمرنا نسبة كبيرة من الاحتياطي المدرع الاسرائيلي خلال الأيام الأولي للحرب ، ذلك أن جماعات المدفعية المصرية التي قامت بالـعبـور يوم 6 أكتوبر الي سيناء ومع الموجات الولي للمشاة بعد ذلك قاموا بتوجيه ضرب المدفعية من غرب القناة ، وتحققت أكبر مستويات الفعالية في القصف المصـري داخل مناطق تشوين الذخيرة الاسرائيلية وحشد الدبابات في عمق العدو ثم تقدمت تشكيلات المدفعية عابرة الي سيناء فاتحة نيرانها رافعة رايات النصر .

المصدر : الموجز