المصالحة بين الحركات الفلسطينية (حماس ، فتح) الضغوطات والأسباب
المصالحة بين الحركات الفلسطينية (حماس ، فتح) الضغوطات والأسباب

لأول مرة منذ عدة سنوات تلوح في أفق المشهد السياسي الفلسطيني بوادر فرصة جدية لاستئناف الحوار وإنجاز المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وإنهاء أطول انقسام في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، امتد لأكثر من عشرة أعوام.

فصل جديد من العلاقة بين “حماس” و”فتح” تفتتحه مصر بقوّة ديبلوماسية ناعمة، أجبرت الأولى على قبول التنازل في ظل ظروفها الضاغطة، فيما رحّبت الثانية بتطبيق شروطها المسبقة، لكنها لا تزال أمام اختبار التطبيق

حركة حماس، وبعد جهود مكثفة بذلتها المخابرات المصرية، قررت حل “اللجنة الإدارية” التي تعد بمثابة حكومة تدير قطاع غزة، ودعت حكومة رامي الحمد الله لتسلم مهام عملها في القطاع، معربةً عن استعدادها لاستئناف الحوار مع حركة فتح تحت الرعاية المصرية، وقبولها إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، الأمر الذي عدّه مراقبون بمثابة تسليم بكامل المطالب والشروط التي سبق للرئيس الفلسطيني محمود عباس أن حددها لاستئناف الحوار وإتمام المصالحة.

وينص اتفاق القاهرة الذي توصلت إليه حركتا فتح وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من الفصائل الفلسطينية، برعاية مصرية سنة 2011، على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وانتخابات للمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية.

الكرة الآن باتت في ملعب فتح والرئيس الفلسطيني، هكذا يقول الناطقون باسم الحركة الإسلامية، لكن “أبو مازن” بادر من نيويورك التي يزورها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالترحيب بالخطوة والتأكيد على أنه سيدعو القيادة الفلسطينية للاجتماع فور عودته إلى رام الله، لاتخاذ الإجراءات المناسبة بهذا الصدد، أما رئيس حكومته رامي الحمد الله، فلم يكتف بالترحيب بقرارات حماس الأخيرة، بل آثر التريث لاستجلاء المزيد من التفاصيل.

والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التي ترتفع فيها آمال الفلسطينيين ورهاناتهم بشأن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، إذ طالما انتهت جولات ووساطات كالوساطة المصرية، إلى اتفاقات وتفاهمات بين الجانبين، سرعان ما كانت تنهار عند أول محك عملي، أو عندما يصطدم الجانبان بـ “شيطان التفاصيل”.

وفقاً لكثير من المراقبين، فإن المسألة مختلفة هذه المرة، فحماس تواجه مأزقاً شديداً في قطاع غزة، فلا هي قادرة من موقعها كـ “سلطة أمر واقع” على تلبية احتياجات سكانه ورفع الحصار المضروب عليهم، ولا حلفاؤها الإقليميون قادرون على مدّ يد العون لها، لا سيما بعد تفاقم الأزمة الخليجية التي أضعفت دور قطر، وحدّت من نفوذها، وتراجع المكانة الإقليمية لتركيا إثر سلسلة الانتكاسات التي منيت بها سياسة أنقرة ونفوذها الخارجيين.

ولقد جرّبت حماس الاستفادة من الانفتاح النسبي الذي أبدته القاهرة وأبو ظبي حيالها، ورعايتهما المشتركة للمصالحة بين الحركة والعقيد المنشق محمد دحلان المدعوم من كل من مصر والإمارات العربية المتحدة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن هناك أهدافا أخرى لهذا الانفتاح.

يرى مراقبون كذلك أن قطر، الداعم والمموّل الرئيسي لـ “حماس”، باتت تعاني هي نفسها من العزلة ولا تستطيع أن تمد لها يد العون، على الأقل بالقدر الذي كان سابقاً، خاصة مع صعوبة التواصل الجغرافي عبر مصر التي قطعت الى جانب الإمارات والسعودية والبحرين علاقاتها الدبلوماسية والإقتصادية مع قطر. ومن المؤكّد أن هذه الخطوة تمثّل نوعاً من تخلي الحركة عن حصان قطر الخاسر.

في المقابل، يبدو الرئيس عباس في وضع لا يحسد عليه، كما تقول الدوائر المقربة منه، حيث فقد ثقته بوجود شريك إسرائيلي في عملية السلام، وتنتابه مخاوف شديدة من مواقف إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي أحجمت حتى الآن، وبعد انعقاد 21 لقاء بين موفدين أميركيين والقيادة الفلسطينية، عن إصدار موقف قاطع ضد سياسات الاستيطان الإسرائيلية، ومؤيد لحل الدولتين.

مأزق حماس المادي في غزة والذي تفاقم على نحو غير مسبوق إثر الإجراءات العقابية التي اتخذها الرئيس عباس، يقابله مأزق السلطة الفلسطينية السياسي في الضفة الغربية الناجم عن انسداد أفق عملية السلام، ربما يشكلان دافعين قويين للتقارب بين الجانبين.

لكن “شيطان التفاصيل” ما زال قابعاً في كثير من زوايا وبنود التفاهمات التي أنجزتها القاهرة، بين الجانبين، فحماس ليست بوارد التخلي عن مكانتها المهيمنة في قطاع غزة، وقد تهدد حالة “ازدواجية السلطة” في القطاع في حال عودة السلطة الفلسطينية إليه، هذه التفاهمات عند الشروع في تنفيذها.

وثمة العديد من القضايا العالقة التي أطاحت بالاتفاقات السابقة وقد تطيح بالفرصة الجديدة، من بينها مستقبل كتائب القسام والأجهزة الأمنية لحماس، ومن سيتولى مسؤولية أمن القطاع ومعابره على نحو خاص، وما هو مصير جيش الموظفين الذين جندتهم حماس خلال السنوات العشر الفائتة، والذين يزيد عددهم عن أربعين ألف موظف، وماذا عن مصير التفاهمات المبرمة بين حماس ودحلان، وغير ذلك من ملفات يكفي أي واحد منها، لنسف الوساطة المصرية وإسقاط مشروع المصالحة الفلسطينية.

في المقابل، فإن حماس تطالب بتمثيل وازن في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وبصورة قد تنهي سيطرة حركة فتح على المنظمة والممتدة منذ قرابة الخمسين عاماً، وثمة من يعتقد جازماً، بأن فتح والرئيس قد يقبلان بتمثيل نسبي للحركة في المنظمة، بيد أنهما لن يسمحا لها بالاستحواذ على مؤسسات “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”.

أما في موضوع الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فإن من المشكوك فيه أن تجري في وقت قريب نسبياً، إذ لا يبدو أن الطرفين مستعدان لخوض “مغامرة الانتخابات”، فحركة فتح ليست جاهزة لخوض هذا الاستحقاق، ولم يعرف بعد ما إذا كان الرئيس عباس (82 عاماً) سيخوض الانتخابات لولاية جديدة، أم أنه سيرشح مسؤولاً آخر من حركة فتح التي تعاني بدورها من انقسامات داخلية وصراعات على السلطة والنفوذ و”الخلافة” كذلك.

ولا يقل الوضع الداخلي بالنسبة لحماس سوءاً، فالحركة تتجاذبها اتجاهات وتيارات متضاربة، وهي وإن كانت أكثر تنظيماً و”مركزية” من فتح، إلا أنها عانت مؤخراً من ضيق سكان القطاع بتجربتها الممتدة في الحكم، وتباين مقاربات وأولويات فروعها في الضفة الغربية والقطاع والخارج، فضلاً عن احتدام الجدل الداخلي في أوساطها بشأن خياراتها وتحالفاتها المستقبلية.

أزمة فريقي الانقسام الفلسطيني قد تدفع بهما إلى التقارب وتجاوز خلافاتهما وصراعاتهما المحتدمة على السلطة، لكن الطريق إلى وحدة الموقف والإرادة الفلسطينيين، ما زال مفخخاً بالألغام.

المصدر : شهارة نت