مجموعة كتب ميشلان .. مدخلك إلى فن تذوق الأكل
مجموعة كتب ميشلان .. مدخلك إلى فن تذوق الأكل

في عالم فن التذوق (الطهو) والفندقية، ثمة قواعد راسخة لا يحيد عنها أصحاب الخبرة والاختصاص ذوو العراقة في المهنة. فالنظافة والترتيب والأجواء المناسبة والطريقة الأفضل في الاستقبال والديكور ونوعية الأطباق التي تحضّر وطريقة تحضيرها، إلى جانب الاهتمام بالزبائن من دون أي تفضيل بينهم، بحسب هوياتهم ومناصبهم وأهميتهم، إلا بكونهم زبائن، من حقهم تلقي أفضل معاملة وأفضل أطباق... إلخ.

كل هذه الأمور هي شروط فعلية وحقيقية، يحتاج أي مهني في عالم التذوق أو الفندقية إلى سنوات طويلة من أجل تحقيقها. مع ذلك فإن أي تقصير في هذه الشروط المهمة وغيرها قد يعرض صاحبها لخسارة الكثير من الامتيازات التي تؤمنها هذه الشروط وأهمها الحصول على رضا عدد من المؤسسات التي تعتبر أن من شأنها الاهتمام بالقيمة والنوعية، وهي مؤسسات، تسخر طاقة كبيرة جداً لاكتشاف هذه النقاط في أي مكان لامتداحه والإعلاء من شأنه بين الجميع، أو على رؤوس الأشهاد كما نقول بالعربية.

من هذه المؤسسات الضخمة، ومعظمها نشأ في فرنسا، البلد الوحيد ربما على مستوى العالم الذي يعتبر من أوائل الدول التي اهتمت بقيمة فن الطهو والفندقية على مستوى فرنسا كبداية والعالم من بعد.

بهذا المعنى، يعد دليل ميشلان Le Guide Michelin الذي أنشأه أندريه ميشلان في العام 1900 من أهم المراجع في الخدمات السياحية وفن الطهو على مستوى العالم، يليه في الأهمية دليل Gault-Millau الفرنسي أيضا والذي أسسه كل من Henri Gault و Christian Millau في عام 1969 وهما كانا من أهم النقاد في عالم فن التذوق (الطهو).

لكن في حين أن ميشلان يعطي المستوفين للشروط التي ذكرت نجوما فإن الدليل الآخر يمنح نقاطا، وهي دائما على عشرين، تماما كما تلاميذ المدارس. وإضافة إلى هذين الدليلين ثمة أكثر من دليل على مستوى العالم، لكنها جميعها تفتقر إلى الأهمية والحظوة والشهرة، التي يتميز بها الدليلان سابقا الذكر.

مصدر الأهمية
يجدر بنا القول، هنا، بأن منح النجوم والعلامات، يتم بسرية تامة ومن دون علم الجهة التي تحظى، عادة، بهذه الميزة، وهي ميزة هدفها ذو شقين:

الأول تجاري محض، إذ أن الحاصل على هذه النجوم التي لا تزيد على ثلاث، والعلامات التي لم تصل إلى الكمال في تاريخها، سيكون شخصا مطلوبا جدا في عالم مهنة الطهو، فحامل هذه النجوم والعلامات سيرتفع سعره في عالم المهنة أضعافا مضاعفة، وسيحظى بصيت عالمي، في الغالب لا يتمتع به الكثيرون، كما أنه سيشرف أي مؤسسة ينتمي إليها سواء كانت فندقا كبيرا أو كانت مطعما شخصيا في أي مكان من العالم. لكن من المهم هنا، ذكر أن غالبية أصحاب النجوم والعلامات وعلى مر التاريخ كانوا من نجوم المطبخ الفرنسي الذي يتربع على سقف الهرم العالمي في هذه المهنة، بسبب تنوعه وخصوصيته وامتيازاته العديدة.

أما الشق الثاني، وهو لا يقل أهمية عن الأول فهو دخول الحاصل على الامتياز إلى التاريخ وتسجيل اسمه بالذهب في سجلاته التي ثمة إجماع على احترامها من قبل الجميع، من دون نسيان أن صاحب هذه النجوم يمكن له في أية لحظة أن يخسرها وبالتالي فإنه بخسارتها يخسر هذا المجد. وقد حصل في سابقة مهمة في تاريخ المهنة أن انتحر الطاهي الفرنسي برنارد وازو حين فقد بعض علاماته في عام 2003 .

تواريخ مهمة
نشر أول دليل ميشلان Le Guide Michelin في عام 1900 وكان مختصاً بالإطارات التي تصنعها الشركة والتي أصبحت ماركة عالمية شهيرة وعلامة من علامات الجودة. في العام 1920 أقر أندريه ميشلان، صاحب الفكرة والشركة، أن ينشر دليلا مختصرا مفيدا للسائقين الذين يتجولون بسياراتهم في فرنسا، يكون وسيلتهم في الوصول إلى أهم المطاعم وأفضلها. فقام بتوظيف عدد من الذواقة ليجوبوا على الفنادق والمطاعم ويجربوا الإقامة فيها وتذوق ما تقدمه للزبائن ويعطوا رأيهم في ما تقدمه هذه المطاعم من مأكولات وما تقدمه الفنادق من خدمات.

وبهذا فقد كان دليل ميشلان أول دليل من نوعه في العالم. وهو اليوم موجود في اللغات كافة ومنتشر في بقاع العالم كافة، إذ لا يقتصر عمل الدليل على فرنسا، كما كان في السابق، بل إن أهميته انتشرت في معظم أرجاء الكرة الأرضية، ولا يوجد مطعم أو فندق في العالم إلا ويعمل من أجل الحصول على نجومه. في عام 1926 نشر الدليل أول ملصق يتعلق بمعايير النوعية والخدمات في المطاعم الفرنسية. أما عام 1931 فقد شهد إطلاق منح النجمة الحمراء لمن يستحقها من الطهاة الذين يشتهرون بحفاظهم على الأساليب العريقة في أعمالهم.

وفي الحفل الشهير الذي أقيم للمناسبة في العاصمة باريس أقر مبدأ منح النجوم الثلاثة الحمراء على مراحل، أي أن العمل من أجل إحراز نجمة لن يوقف العمل على النوعية بل سوف يستمر من أجل الحصول على الثانية والثالثة ومن الممكن للحاصل عليها أن يخسرها. لكن اللافت في تاريخ هذه النجوم أن أحدا لم يخسر نجومه كلها دفعة واحدة. بل يشير التاريخ إلى أن الذي يحصل على هذه النجوم، إما يحافظ عليها من دون خسرانها أو يزيدها نجوما أخرى.

في عام 1944 وبسبب الحرب العالمية الثانية وصعوبة الطبع والتنقل في فرنسا تحت أمطار القنابل وفوق الركام والدمار وشبح الموت، تم اتفاق بين الشركة الأم ميشلان وواحدة من أكبر المطابع الأميركية في نيويورك على طباعة الدليل في الولايات المتحدة حيث لا يزال يصدر هناك، وهو باع أكثر من ثلاثين مليون نسخة منذ بدء فكرته.

الأمر الذي يؤكد ربما، أن فكرة طباعة الدليل لم تكن بهدف انتشار الشركة صانعة الإطارات فقط بل كان شغفا شخصيا عن أندريه ميشلان الذي كان مشهورا بأنه لا يأكل كثيرا على عكس الانطباع الذي يمكن أن يتركه. فشخص مهتم إلى هذه الدرجة بالأكل والمطاعم والنوعية ربما يكون من محبي الأكل أو الشرهين. لكنه عكس ذلك كما تذكر المصادر التي كتبت عنه.

يساهم الزر الذي تتوسطه النجمة الحمراء، ليس فقط في إضفاء قيمة مهنية على ثوب الطاهي الذي يرتديه، بل في زيادة حجم الإقبال على مأكولاته، كما يساهم في إعطائه شهرة عالمية. ورغم أننا لا نعثر على أسماء غير فرنسية إلا فيما ندر منذ إطلاق الدليل ولغاية اليوم. إلا أنه ومنذ أكثر من عشرة أعوام بدأ في توسيع إطار عمله حول العالم. وفي العام الحالي نشر أول دليل أحمر لمدينة هونغ كونغ وماكاو في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

كما أن هناك دليلا أحمر لأستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا والقارة الأوروبية كافة وطبعا لفرنسا وإسبانيا واليونان. وثمة فكرة تناقش اليوم حول إمكانية نشر دليل أحمر جديد يهتم بالأطباق الكلاسيكية أو المتوارثة والتي تعبر عن الثقافات المحلية لكل شعب على حدة، حيث يتكاثر ومنذ مدة، على مستوى العالم، افتتاح المطاعم التي تختص بتقديم الأكلات الشعبية إن كان في فرنسا أو في مختلف أنحاء العالم تماما كما هو الحال مع المطعم المغربي التقليدي الذي تعتبر أطباقه جزءا من الهوية القومية للمغاربة.

كما أن مؤسسة ميشلان لا تنشر فقط الدليل الأحمر الذي يختص بمنح النجوم لكبار الطهاة. بل إنها تنشر دليل ميشلان الأخضر الذي ينحصر اختصاصه كونه دليلا سياحيا يقدم الأماكن السياحية حول العالم ويحافظ على قيمتها الثقافية والطبيعية (سيكون لنا وقفة مع هذا الدليل) خاصة في فرنسا.

شهد أول حفل لمنح النجوم في عام 1933 في باريس حصول ثلاثة فرنسيين على نجوم ميشلان الثلاث وهم الطاهي الفرنسي الشهير فيرناند بوان منذ عام 1933 حتى 1955، والطاهية الفرنسية يوجين برازيير 1933 حتى 1968، ومطعم La Tour d"Argent الباريسي منذ 1933 حتى 1996، الذي يعتبر من أقدم مطاعم أوروبا حيث تأسس في عام 1582 ويقع في الدائرة الخامسة في العاصمة الفرنسية مطلا على نهر السين حيث المناظر البديعة للمدينة العاصمة.

وقد منحت النجوم لعدد من الأشخاص الذين وصلوا إلى مكانة النجومية بفضل هذه النجوم، منهم على سبيل المثال بول بوكوز الذي يعتبر بابا المائدة الفرنسية اليوم ومنذ ربع قرن، كما منحت للطاهي الفرنسي الشهير غي مارتان وللطاهي الألماني كلاوس إيرفورت الذي يعتبر أصغر طاه في العالم يحصل على نجوم ميشلان الحمراء الثلاث.

المصدر : الجمال